عبد الله بن محمد المالكي
356
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
به ، فلم يجبه فيها بشيء . ورجع الرسول من عنده بلا جواب فقال محمد بن عبدوس لسحنون : « اخرج من بلد القوم ، لا تساكنهم : أمس ترجع عن الصلاة خلف قاضيهم - يعني ابن أبي الجواد - واليوم لا تجيبهم في مسائلهم ؟ » فقال له سحنون : « أفتجيب إنسانا إنما يريد أن يتفكه ، يريد أن يأخذ قولي وقول غيري ؟ ولو كان شيئا يقصد به الدين لأجبته » . وقال : « أشقى الناس من باع آخرته بدنياه ، وأشقى منه من باع آخرته بدنيا غيره » . قال رضي اللّه تعالى عنه : ففكرت فيمن باع آخرته بدنيا غيره ، فوجدته المفتي : يأتيه الرجل قد حنث في امرأته أو رقيقه فيقول له : لا شيء عليك ، فيذهب عنه الحانث فيتمتع بزوجته ورقيقه ، وقد باع المفتي له دينه بدنيا هذا . فما وجدت بقلبي من باع آخرته بدنيا غيره إلا المفتي » . قال الشيخ أبو محمد بن أبي زيد رحمه اللّه تعالى : قيل لي : قد قال بعض الناس ، ممن حضر هذا الكلام ، لسحنون : إن بعض الشعراء قد ضمن هذا المعنى في بيتين : عجبت لمبتاع الضلالة بالهدى * ولمشتري دنياه بالدين أعجب وأعجب من هذين من باع دينه * بدنيا سواه ، ذاك للحين أقرب فأمر سحنون من حوله أن يكتبوهما . وكان سحنون يقول « 87 » : « من فقه الرجل مطعمه ومشربه ومدخله ومخرجه وصحبته لأهل الخير . وليست العبادة بمطأطأة الرأس » . وقيل لسحنون بحضرة أبي سليمان « 88 » : « يا أبا سعيد ، كيف يسعك في دينك أن تدع الطلبة وحاجتهم إليك وتخرج إلى البادية فتقيم بها الشهور الكثيرة ؟ » فقال : « يا أبا سليمان ، تريد أن ترى كتبي في هذا الغدير ؟ » - وأشار إلى ماء بين يديه - فقال له أبو سليمان : « وكيف ذلك ؟ » قال : « أحتاج إلى دراهم هؤلاء القوم - يريد الملوك - فآخذها ، فإذا أخذتها فارموا كتبي في هذا الغدير » .
--> ( 87 ) سيتكرر هذا النص والخبر الذي يليه قريبا وسنكتفي بوروده هنا ينظر تعليقنا ( رقم 113 ) . ( 88 ) الراجح انه والد أحمد بن أبي سليمان الفقيه . وكانت لأبي سليمان هذا رواية . ينظر طبقات أبي العرب ص 117 .